السيد محمد الصدر
284
منة المنان في الدفاع عن القرآن
من العالم الأعلى إلى العالم الأدنى ، وصبّ بمعنى : نزل ، أي : خلق وأوجد العذاب . ثالثاً : أنَّ هذا الإشكال والسؤال إنما توجّه بناء على ما ذكره الراغب الأصفهاني آنفاً من معنى السوط ، وهو السوط الذي يضرب به ، وأمّا إذا أُريد من السوط المائع المخلوط فصبّه يكون معناها صبّ المائع ، ونسبة الصبّ إلى السوط لا تكون بعيدةً حينئذٍ ، وصبّ عليهم لا يُراد به حقيقة المائع المخلوط ، وإنَّما هو تعبيرٌ عن العذاب وأنواع العذاب المشتركة المتكوّنة من المجموع يمثّل لها بمائعٍ مخلوطٍ شديد الحرارة وشديد الألم ، فسوط أي : مائعٌ مسوطٌ أو مخلوطٌ ، فيعبّر عن اسم المفعول بالمصدر ، كما يعبّر عن اسم الفاعل بالمصدر ، كما في ( زيدٌ عدلٌ ) ، فهنا يقال : المائع سوطٌ أي : مسوطٌ ومخلوطٌ ، فهذا المائع المسوط يُراق على عاد وثمود وفرعون . إن قلت : إنَّ قوله : فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ من ناحيةٍ أُخرى يدلّ على أنَّه سوطٌ واحدٌ وعذابٌ واحدٌ ، فكأنَّ ضربة السوط بسيطةٌ بالنسبة إلى ما نتصوّره من العذاب النازل على عاد وثمود ، فسوط عذابٍ كأنَّما ضربةٌ واحدةٌ بالسوط ، فهو لا يدلّ على ما هو المشهور من هلاك عادٍ وثمود وفرعون . وفي الحقيقة هذا له عدّة أجوبة أيضاً : منها مبني على أنَّ السياق يدلّ على التهوين من العذاب والتخفيف منه ومن أهمّيّته ، ومنها مبني على أنَّ السياق لا يدلّ على التخفيف والتهوين من العذاب . أمّا الأجوبة من النوع الأوّل فهي : أوّلًا : أن الله قادرٌ على كلّ شيءٍ ، وكلّ شيءٍ هيّنٌ عليه ، كتعذيب عادٍ وثمود ، فضربةٌ واحدةٌ بالسوط ليست صعبةً ، أي : إنَّ هذا العذاب هيّنٌ على